المحرر الرسمي وحجيته في الإثبات
•
August 23, 2026
تعد المحررات في سياق التعاملات البشرية والتعاقدية هي المستودع الآمن لتوثيق الحقوق ورسم الحدود بين المراكز النظامية لأطراف العلاقة، ولذلك أولى نظام الإثبات عناية فائقة بتنظيم أحكام هذه المحررات، مفرقاً بين مستوياتها، ومقراً مرتبة عليا لما يُعرف بـ "المحرر الرسمي" كأداة إثبات تتمتع بحجية مطلقة أمام الكافة.
وقد وضع النظام تعريفاً دقيقاً للمحرر الرسمي؛ فهو ذلك الصك أو الوثيقة التي يتولى تدوينها وإثباتها موظف عام، أو أي شخص مكلف نظاماً بخدمة عامة، حيث يسجل فيها ما تم على يديه مباشرة من أعمال، أو ما تلقاه واستعَمّه من أقوال وإقرارات أدلى بها ذوو الشأن، على أن يتم كل ذلك طبقاً للأوضاع والإجراءات التي رسمها النظام، وفي حدود السلطة والاختصاص الممنوحين لذلك الموظف. وحرصاً من النظام على عدم إهدار جهود الأطراف في حال تخلف أي شرط من الشروط الجوهرية لاعتبار المحرر رسمياً (كأن يصدر من موظف غير مختص مثلاً)، فقد قرر النظام حلاً بديلاً يتمثل في تحويل هذا المحرر إلى مرتبة المحرر العادي، شريطة أن يكون أصحاب الشأن قد وضعوا توقيعاتهم عليه، لكي لا يفقد قيمته الإثباتية بالكامل.
أما من حيث القوة والأثر، فقد أسبغ النظام على المحرر الرسمي حماية استثنائية وجعله حجة قاطعة تسري في مواجهة الكافة، ولا يقتصر أثرها على أطراف المحرر وحدهم، وذلك في كل ما دُوّن فيه من أمور قام بها محرره بنفسه في حدود مأموريته، أو التزامات وأحداث وقعت من ذوي الشأن في حضوره وتحت ناظريه، ووضع النظام قاعدة صارمة تقضي بأن هذه الحجية لا يمكن زعزعتها أو إسقاطها إلا عن طريق واحد وهو إثبات تزوير المحرر بالطرق النظامية المقررة. وفي المقابل، فإن مضمون ما يذكره أو يقر به أصحاب الشأن من أقوال داخل المحرر الرسمي يعتبر حجة قاصرة عليهم، ولكن النظام ترك لهم مساحة لإثبات عكس تلك الأقوال بكافة طرق الإثبات المتاحة دون الحاجة للادعاء بالتزوير.
ولم يغفل النظام الجوانب العملية التي قد تطرأ جراء تداول هذه الوثائق أو تعرض الأصول للتلف والضياع؛ فنظم حجية الصور الرسمية المأخوذة عنها. ففي حال كان أصل المحرر الرسمي موجوداً وقائماً، فإن صورته الرسمية المستخرجة من الأصل وفقاً للإجراءات المنظمة لذلك تعد حجة بمقدار مطابقتها للأصل، وتعتبر هذه المطابقة قائمة ومفترضة نظاماً ما لم ينازع في صحتها أحد أصحاب الشأن، وعندها يتوجب إجراء المراجعة والمطابقة المباشرة مع الأصل للتحقق. وتتجلى مرونة النظام وحمايته للاستقرار في الحالة التي لا يوجد فيها أصل للمحرر الرسمي؛ حيث قرر النظام منح الصورة الرسمية ذات الحجية المقررة للأصل، بشرط أن يكون مظهرها الخارجي العام واضحاً ونقياً ولا يسمح بأي شكل من أشكال الشك في مطابقتها للأصل المفقود، أما إذا كان مظهر الصورة الخارجي يثير الريبة أو كانت مجرد صورة عادية افتقدت الإجراءات الرسمية، فإن النظام يجردها من القوة الملزمة ولا يعتد بها أمام القضاء إلا لمجرد الاستئناس والاهتداء بها في البحث.

